الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
36
مرآة الحقائق
فكما أن الأنبياء - عليهم السّلام - على مشارب مختلفة من الجمال ، والجلال ، والهيبة ، والأنس « 1 » ؛ فكذا أقوامهم على استعدادات متفاوتة من القبول ؛ إذ جميع مراتب الدعوة من الأفعال ، والصفات ، والذات ، لم ينله إلا هذه الأمة المرحومة ؛ لكمال استعدادها ، ولكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قلب العالم بعث في مكة التي هي قلب البلاد ؛ لكن أمر بالهجرة ؛ ليبقى التوجه إلى اللّه تعالى ، فإن حرم اللّه لا يشاركه فيه أحد كائن من كان . فاعرف الغيرة « 2 » الإلهية ، فتقرر أن توجه القلب إنما هو إلى المسجد الحرام ؛ لأنه في صورة مسمّى اللّه ، وأمّا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فهو سرّ للمسمّى ، فالحجر الأسود يد اللّه صورة ، واليد النبوية يد اللّه معنى ، وكذا أيدي الورثة الكبار . الحاصل أن المساجد كلها قبلة ، والكل متوجه إلى صورة الكعبة ، وكذا أبدان من صلّى فيها ووجوههم ، وإن القلوب كلها قبلة ، والكلّ متوجه إلى سرّ الكعبة ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الظاهر ، ومسمّى اللّه الأحدي في الباطن ، فمن مشى على المراتب ،
--> ( 1 ) قال الشعراني رضي اللّه عنه في « القواعد الكشفية » في الكلام على الأنس باللّه : إن ذلك لا يصحّ لأحد من الأولياء ؛ لما تقدم من الجهل بكنه الذات . وقد قال الولي الكامل سيدي علي بن وفا رحمه اللّه : ( لا يصحّ الأنس باللّه تعالى لأحد من المحققين ، وما أنس إلا بما منه من التقريبات لا بذاته تعالى ) . قلت : وقد أجمع أهل الطريق على ما قاله سيدي علي بن وفا رحمه اللّه تعالى ، وقالوا : الأنس لا يصحّ إلا بالمشاكلة والمناسبة ، وليس بين الخلق وربهم مشاكلة ولا مناسبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا اه . ثم قال : إيّاك أن تقول أنك أنست باللّه تعالى عينا ؛ فإن ذلك لا يصحّ ، وقد سمعت مرة هاتفا يقول : ( إذا كان كل شيء خطر ببال عبدي فأنا بخلافه ، فكيف يصح له مناجاتي على الكشف والشهود والأنس بي ) اه ( ص 58 ) . وقد قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به في تعريف الأنس : الأنس هو ظهور علامات تشعر النفس بنيل المراد ، وحقيقته : مد يد الأطماع إلى اقتطاف ثمر المواصلة ، وغايته : تصرف العبد في ملك الرب ؛ اعتمادا على التحقيق بصحة المحبة التي توجب رفع علل المغايرة اه . ( 2 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الغيرة هي حرص يوجب صون المخصوص بالمحبة عن إشراف لواحظ الأسباب المؤدّية إلى بذله ، مع عدم الاستحقاق ، واستقباح فحش الشركة فيه ، وحقيقتها : حمية تستلزمها المحبة ؛ لمنع صفاء ما يكدر صفاء العين مع المحبوب انتهى .